محمد محمد أبو موسى
684
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
وفي الجامع الكبير اهتمام بمسائل أغفلها ابن الأثير في المثل السائر منها نوع سماه بالتعقيب المصدري يقول فيه : « وانما يعمد إلى ذلك لضرب من التأكيد لما تقدمه والاشعار بتعظيم شأنه ، أو بالضد من ذلك ، فمثال الأول قوله تعالى : « وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ، وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ . وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ ، صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ، إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ . مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ . وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » « 175 » : « صُنْعَ اللَّهِ » من المصادر المؤكدة لما قبلها كقوله « وَعَدَ اللَّهُ » ، و « صِبْغَةَ اللَّهِ » ألا ترى أنه لما جاء ذكر هذا الأمر العظيم الدال على القدرة الباهرة من النفخ في الصور واحياء الأموات والفزع واحضار الناس للحساب ومسير الجبال كالسحاب في سرعتها عقب ذلك أن قال : « صُنْعَ اللَّهِ » أي هذا الأمر البديع صنع اللّه والمعنى : ويوم ينفخ في الصور وكان كيت وكيت من الأشياء الباهرة وأثاب اللّه المحسنين وعاقب المجرمين فجعل هذا الصنع من جملة الأمور التي أتقنها وأتى بها على الحكمة والصواب حيث قال : « صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ » ، يعنى أن مقابلة الحسنة بالثواب والسيئة بالعقاب من احكامه للأشياء ، واتقانه لها ، وباجرائه إياها على قضايا الحكمة أنه عالم بما يفعل العباد ، وبما يستوجبون عليه فيكافئهم على حسب أفعالهم ، ثم لخص ذلك بقوله تعالى : « مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ » . . . إلى آخر الآيتين ، فانظر أيها المتأمل إلى بلاغة هذا الكلام وحسن نظمه وترتيبه ومكانة اضماده ورصانة تفسيره وأخذ بعضه برقاب بعض كأنما أفرغ افراغا واحدا ، ولأمر ما أعجز القوى وأخرس الشقاشق » « 176 » .
--> ( 175 ) النمل : 87 - 90 ( 176 ) الجامع الكبير مخطوط غير مرقوم .